محمد جمال الدين القاسمي
236
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
حسبانا من أنفسهم ، وظنوا عليها الغلط في تلقي ما ورد عليهم من ذلك ، فيكون الذي بني له الفعل أنفسهم ، لا الآتي بالوحي . والمراد ب ( الكذب ) : الغلط ، لا حقيقة الكذب ، كما يقول القائل : كذبتك نفسك . قال الحافظ ابن حجر : ويؤيده قراءة مجاهد وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بفتح أوله مع التخفيف أي : غلطوا . ويكون فاعل ( وظنوا ) الرسل . وقال أبو نصر القشيري : ولا يبعد أن المراد خطر بقلب الرسل ، فصرفوه عن أنفسهم . أو المعنى : قربوا من الظن ، كما يقال : بلغت المنزل ، إذا قربت منه . وقال الترمذي الحكيم : وجهه : أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم اللّه النصر ، أن يتخلف النصر ، لا من تهمة بوعد اللّه ، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط ، فكان الأمر إذا طال ، واشتد البلاء عليهم ، دخلهم الظن من هذه الجهة . وحكى الواحدي عن ابن الأنباري أنه قال : ما روي عن ابن عباس غير معوّل عليه ، وأنه ليس من كلامه ، بل تؤوّل عليه . قال ابن حجر : وعجب لابن الأنباري في جزمه بأنه لا يصح ثم للزمخشري في توقفه عن صحة ذلك عن ابن عباس ، فإنه صح عنه ، أي : فرواه البخاريّ « 1 » في تفسير البقرة بلفظ : ذهب بها هناك ، وأشار إلى السماء ، وزاد الإسماعيلي عنه : كانوا بشرا ضعفوا وأيسوا وظنوا أنهم قد كذبوا . وروى البخاري « 2 » أن عائشة كانت تقرأ ( كذبوا ) مشددة ، وتتأوّلها على المعنى الأول ، وأن عروة قال لها : لعلها ( كذبوا ) مخففة ، فقالت : معاذ اللّه ! قال الحافظ ابن حجر : وهذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف ، ولعلها لم تبلغها ممن يرجع إليه في ذلك ، وقد قرأها بالتخفيف أئمة الكوفة من القرّاء : عاصم ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي . ووافقهم من الحجازيين أبو جعفر بن القعقاع ، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلميّ ، والحسن
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 38 - باب أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، حديث رقم 1975 ، عن ابن عباس . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 38 - باب أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، حديث رقم 1598 ، عن عائشة .